ابن الأثير

30

الكامل في التاريخ

وفارقوا الحزم ، وخلّفوا السلطان وراء ظهورهم ، وقاربوا الفرنج ، فأرسل صلاح الدين عدّة من الأمراء يردّونهم ويحمونهم إلى أن يخرجوا ، فلم يسمعوا ولم يقبلوا . وكان الفرنج قد اعتقدوا أنّ وراءهم كمينا ، فلم يقدموا عليهم ، فأرسلوا من ينظر حقيقة الأمر ، فأتاهم الخبر أنّهم منقطعون عن المسلمين ، وليس وراءهم ما يخاف ، فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد ، فقاتلوهم ، فلم يلبثوا أن أناموهم ، وقتل معهم جماعة من المعروفين ، وشقّ على صلاح الدين والمسلمين ما جرى عليهم ، وكان ذلك بتفريطهم في حقّ أنفسهم ، رحمهم اللَّه ورضي عنهم . وكانت هذه الوقعة تاسع جمادى الأولى ، فلمّا رأى صلاح الدين ذلك انحدر من الجبل إليهم في عسكره ، فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر وقد أخذوا طريقهم ، فألقوا أنفسهم في الماء ، فغرق منهم نحو مائة دارع سوى من قتل ، وعزم السلطان على مصابرتهم ومحاصرتهم ، فتسامع الناس ، فقصدوه من كلّ ناحية واجتمع معه خلق كثير ، فلمّا رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور ، فلمّا عادوا إليها سار صلاح الدين إلى تبنين ، ثمّ إلى عكّا ينظر حالها ، ثمّ عاد إلى العسكر والمخيّم . ذكر وقعة ثالثة لمّا عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أنّ الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب والاحتشاش ، متبدّدين ، فكتب إلى من بعكّا من العسكر وواعدهم يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين ، ورتّب كمناء في موضع من تلك الأودية والشعاب ، واختار جماعة من شجعان عسكره ،